الأخبار

لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين

لا تثريب عليكم اليوم | قصة عفو يوسف عليه السلام عن إخوته

التصنيف: إسلاميات | القرآن الكريم | تفسير القرآن | قصص الأنبياء | سورة يوسف | العفو والتسامح

الآية الكريمة: لا تثريب عليكم اليوم

قال تعالى:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ۝ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[يوسف: 91-93]

اعتراف إخوة يوسف بفضله

اعلم أن يوسف عليه السلام لما ذكر لإخوته أن الله تعالى من عليه، وأن من يتق المعاصي ويصبر على أذى الناس فإنه لا يضيعه الله، صدقوه فيه واعترفوا له بالفضل والمزية.

قالوا:

﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾

قال الأصمعي: يقال: آثرك إيثارًا، أي فضلك الله، وفلان آثر عبد فلان؛ إذا كان يؤثره بفضله وصلته.

والمعنى: لقد فضلك الله علينا بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك.

هل كان إخوة يوسف أنبياء؟

واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ما كانوا أنبياء، لأن جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة إليه، فلو شاركوه في منصب النبوة لما قالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.

وبهذا التقدير يذهب سؤال من يقول: لعل المراد كونه زائدًا عليهم في الملك وأحوال الدنيا، وإن شاركوه في النبوة؛ لأن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة.

معنى قولهم: وإن كنا لخاطئين

وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فقيل: الخاطئ هو الذي أتى بالخطيئة عمدًا، وفرق بين الخاطئ والمخطئ؛ فلهذا الفرق يقال لمن يجتهد في الأحكام فلا يصيب إنه مخطئ، ولا يقال إنه خاطئ.

وأكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في الجب وبيعه وتبعيده عن البيت والأب.

القول في اعتذار إخوة يوسف

وقال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا إليه من ذلك، لأن ذلك وقع منهم قبل البلوغ فلا يكون ذنبًا فلا يعتذر منه، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطؤوا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه، ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

وهذا الكلام ضعيف من وجوه:

الوجه الأول

أنا بينا أنه لا يجوز أن يقال إنهم أقدموا على تلك الأعمال في زمن الصبا؛ لأنه من البعيد في مثل يعقوب أن يبعث جمعًا من الصبيان غير البالغين من غير أن يبعث معهم رجلًا عاقلًا يمنعهم عما لا ينبغي ويحملهم على ما ينبغي.

الوجه الثاني

هب أن الأمر على ما ذكره الجبائي، إلا أنا نقول: غاية ما في الباب أنه لا يجب الاعتذار عن ذلك، إلا أنه يمكن أن يقال إنه يحسن الاعتذار عنه.

والدليل عليه أن المذنب إذا تاب زال عقابه، ثم قد يعيد التوبة والاعتذار مرة أخرى، فعلمنا أن الإنسان أيضًا قد يتوب عندما لا تكون التوبة واجبة عليه.

عفو يوسف عليه السلام عن إخوته

واعلم أنهم لما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم مجرمين خاطئين قال يوسف:

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

ما معنى كلمة "لا تثريب عليكم"؟

معنى التثريب

التثريب هو التوبيخ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد، ولا يثربها، أي ولا يعيرها بالزنا.

فقوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ أي لا توبيخ ولا عيب.

وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة الثرب كما أن التجليد إزالة الجلد.

ما المقصود بكلمة "اليوم"؟

اختلف المفسرون في تعلق قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ﴾، وفيه قولان:

القول الأول: اليوم متعلق بقوله "لا تثريب"

أي لا أثربكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بسائر الأيام.

وفيه احتمال آخر، وهو أني حكمت في هذا اليوم بأن لا تثريب مطلقًا، لأن قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ نفي للماهية، ونفي الماهية يقتضي انتفاء جميع أفراد الماهية.

القول الثاني: اليوم متعلق بقوله "يغفر الله لكم"

أي أن قوله: ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بشارة لهم بأن الله يغفر ذنبهم في هذا اليوم.

وذلك لأنهم لما انكسروا وخجلوا واعترفوا وتابوا، فالله قبل توبتهم وغفر ذنبهم.

يوسف عليه السلام يختار العفو بدل الانتقام

إن موقف يوسف عليه السلام مع إخوته يمثل صورة عظيمة من صور التسامح والعفو. فبعد سنوات طويلة من الألم والفراق، وبعد أن أصبح يوسف في مكانة عظيمة، لم يستغل قوته للانتقام منهم، ولم يذكرهم بما فعلوا به، بل قال لهم:

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾

وهذا يدل على أن القوة الحقيقية ليست في الانتقام، وإنما في القدرة على العفو عندما يكون الإنسان قادرًا على الرد.

الدروس المستفادة من موقف يوسف عليه السلام

العفو عند المقدرة

من أعظم الدروس التي نتعلمها من هذه القصة أن العفو يكون أعظم عندما يستطيع الإنسان الانتقام لكنه يختار الصفح.

عدم فتح صفحات الماضي

يوسف عليه السلام لم يفتح تفاصيل الماضي أمام إخوته، ولم يحرجهم بما فعلوه، وإنما أنهى الموقف بكلمات تحمل الرحمة والصفح.

الاعتراف بالخطأ بداية الإصلاح

اعترف إخوة يوسف بخطئهم، وكان اعترافهم خطوة مهمة نحو المصالحة وإنهاء سنوات الخصومة.

التسامح يزيل آثار الكراهية

العفو الصادق يمكن أن يحول موقفًا مليئًا بالألم إلى موقف يحمل الرحمة والمودة وصلة الرحم.

قميص يوسف وبشارة يعقوب

ثم قال يوسف عليه السلام:

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

قال المفسرون: لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه.

قال المحققون: إنما عرف أن إلقاء ذلك القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى، ولولا الوحي لما عرف ذلك، لأن العقل لا يدل عليه.

ويمكن أن يقال: لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى، إلا أنه من كثرة البكاء وضيق القلب ضعف بصره، فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد أن ينشرح صدره، وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد، وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوى، فحينئذ يقوى بصره ويزول عنه ذلك النقصان.

قصة يوسف درس عظيم في العفو والتسامح

قصة يوسف عليه السلام مع إخوته ليست مجرد قصة من قصص القرآن، وإنما تحمل درسًا عظيمًا في كيفية التعامل مع الإساءة.

فقد اجتمع في هذا الموقف الاعتراف بالخطأ، والندم، والعفو، والرحمة، وترك اللوم والانتقام.

وتبقى كلمات يوسف عليه السلام:

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

من أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان عن التسامح، فالصفح عن الآخرين مع القدرة على الانتقام من مكارم الأخلاق، والعفو قد يكون سببًا في إصلاح ما أفسدته سنوات الخصام.

التصنيف: إسلاميات، القرآن الكريم، تفسير القرآن، قصص الأنبياء، سورة يوسف، العفو والتسامح.

TALMO7G
Mostafa El Sayed
ارتقاء تك منصة تقنية عربية تقدم محتوى مبسط وموثوق يساعدك تفهم التكنولوجيا بسرعة وتتعلم مهارات عملية تواكب أحدث التطورات
تعليقات